الذكاء الاصطناعي في التدقيق: أداة تخدم الحكم المهني، لا بديلاً عنه

بقلم: عبدالرحمن الزرعوني، الأمين العام

أصدر مجلس التقارير المالية البريطاني (FRC) مؤخرًا إرشادات مهنية تنظّم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيل في ارتباطات التدقيق. وهي خطوة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تحمل جديدًا مفاجئًا، بل لأنها تضع إطارًا واضحًا لسؤال بات يفرض نفسه على كل مكتب تدقيق: كيف نستفيد من هذه الأدوات دون أن نتنازل عن جوهر المهنة؟

الفرق بين النوعين الذي حددته الإرشادات مهم عمليًا. الذكاء الاصطناعي التوليدي ينتج نصوصًا وملخصات ومسودات بناءً على أوامر مباشرة من المستخدم، بينما يذهب الذكاء الاصطناعي الوكيل خطوة أبعد: تنفيذ سلاسل مهام شبه مستقلة، من تحليل المستندات إلى اقتراح إجراءات تدقيق كاملة. كلما اتسع هامش استقلالية الأداة، اتسعت معه الحاجة إلى ضبط أكثر صرامة.

الرسالة المركزية في الإرشادات لا لبس فيها: استخدام هذه الأدوات لا يجوز أن يضعف الشك المهني، ولا جودة الأدلة، ولا التوثيق، ولا مسؤولية المدقق. يبقى المكتب وفريق التدقيق مسؤولين بالكامل عن العمل المنجز، ولا مجال للاحتجاج بأن “النظام هو من توصل إلى النتيجة”. هذا المبدأ ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو خط الدفاع الأول عن مصداقية المهنة ذاتها.

أما المخاطر التي تناولتها الإرشادات فتلخص بدقة ما يجب أن يشغل بال كل مكتب اليوم: مخرجات قد تبدو مقنعة لكنها غير دقيقة أو غير مدعومة بأدلة كافية؛ ضعف في التوثيق يجعل ملف التدقيق قاصرًا عن إثبات ما تم إنجازه فعليًا؛ اعتماد زائد يقلّص مساحة الحكم المهني، خصوصًا لدى الفرق الأقل خبرة؛ مخاطر تتعلق بسرية بيانات العملاء عند إدخالها في أدوات غير محكومة؛ وأخيرًا، مخاطر إضافية ترافق الأدوات الوكيلة تحديدًا، بحكم قدرتها على اتخاذ خطوات متعددة دون تدخل بشري مباشر في كل مرحلة.

الحوكمة السليمة، وفق الإرشادات، لا تتحقق باشتراك في أداة، بل بإطار عمل متكامل: تحديد واضح للاستخدامات المسموحة والممنوعة، اختبار الأداة قبل تطبيقها على ارتباطات فعلية، ضوابط صارمة لحماية بيانات العملاء، تدريب الفرق على حدود الأداة ومخاطرها، إلزام بمراجعة بشرية قبل اعتماد أي مخرج، توثيق دقيق للمدخلات والمخرجات وأساس الاعتماد عليها، ومراقبة مستمرة لأثر الأداة على جودة العمل، لا على سرعته فقط.

الخلاصة التي أطرحها على زملائي وأعضاء الجمعية: الذكاء الاصطناعي أداة قوية، ونحن في مرحلة تحول رقمي شامل تدفعنا لتبنّيها بثقة. لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا حين تُدار بحوكمة واضحة تُبقي الحكم المهني والمسؤولية النهائية حيث يجب أن تكونا: في يد المدقق، لا في يد الأداة.

administrator

اترك تعليقاً